ابن ميثم البحراني
265
شرح نهج البلاغة
القبر بانيا بهما فيبلبلانك ويزلزلانك فيقولان لك : من ربّك ومن نبيّك وما دينك كيف بك عند ذاك يا عمر . فقال عمر : فيكون معي عقلي الآن قال صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : نعم قال : فإذن أكفيهما . وفي وصفهما عنه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّهما ملكان أسودان أرزقان أحدهما منكر والآخر نكير . واعلم أنّ الإيمان بما جاء من ذلك على ثلاث مراتب : أحدها : وهو الأظهر الأسلم أن يصدّق بأنّها موجودة وأنّ هناك ملكين على الصورة المحكيّة ، وحيّات وعقارب تلدغ الميّت ، وإن كنّا لا نشاهدها إذ لا تصلح هذه العين لمشاهدة الأمور الملكوتيّة ، وكلّ ما يتعلَّق بالآخرة فهو من عالم الملكوت كما كانت الصحابة يؤمنون بنزول جبرئيل ، وكان النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم يشاهده وإن لم يكونوا يشاهدونه ، وكما أنّ جبرئيل لا يشبه الناس فكذلك منكر ونكير وفعلهما والحيّات والعقارب في القبر ليس من جنس حيّات عالمنا . فتدرك بمعنى آخر . المقام الثاني : أن يتذكَّر ما قد يراه النايم من صورة شخص هايل يضربه أو يقتله أو حيّة تلدغه وقد يتألَّم بذلك حتّى تراه في نومه يصيح ويعرق جبينه وينزعج من مكانه كلّ ذلك يدرك من نفسه ويشاهده ويتأذّي به كما يتأذّى اليقظان وأنت ترى ظاهره ساكنا ولا ترى حوله شخصا ولا حيّة ، والحيّة موجودة في حقّه متخيّلة له ولا فرق بين أن يتخيّل عدوّا أو حيّة أو يشاهده . المقام الثالث : أن تعلم أنّ منكرا ونكيرا وساير أحوال القبر غايته الايلام والمؤلم في حقّه ليس هو الشخص المشاهد ولا الحيّة بل ما حصل فيه من العذاب فالنفس العاصية إذا فارقت البدن حملت القوّة المتخيّلة معها ولم يتجرّد عن البدن منزّهة عن الهيئات البدنيّة والأخلاق الرديئة المهلكة من الكبر والرياء والحسد والحقد والحرص وغيرها ، وهى عند الموت عالمة بمفارقة البدن متوهّمة لنفسها الإنسان الَّذي مات وعلى صورته كما كان في الرؤيا يتخيّل ويتوهّم بدنها مقبورة ويتخيّل الآلام الواصلة إليها عن كلّ خلق رديء على سبيل العقوبة الحسّيّة لها كما قرّرته الشريعة الصادقة ، وانغرس في الأذهان عنها على صورة شخص منكر هائل الصورة يعنفه في السؤال ويبهته بسوء